منتديات قفصة
التسجيل يمكّنك من دخول كافة الأقسام و المساهمة فيها، و يتم تفعيل عضويتك بالعودة الي بريدك الإلكتروني والضغط على رابط التفعيل



 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفاعلات انتخابات 23 أكتوبر 2011 ومطبّات الآتي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tahar



عدد المساهمات : 897
تاريخ التسجيل : 26/02/2010

مُساهمةموضوع: تفاعلات انتخابات 23 أكتوبر 2011 ومطبّات الآتي   الأربعاء 26 ديسمبر 2012 - 13:51





هل يتجاوز اليسار التونسي مِحنَه وقصورَه بإبداع؟
الحلقة الخامسة : تفاعلات انتخابات 23 أكتوبر 2011 ومطبّات الآتي

1. في مناخ الانتخابات وانعكاساته على اليسار:
1. 1. ضراوة المنافسة وخيبة الحسابات:
لقد عاش آلاف من المناضلين اليساريين أحلاما وردية قبيل الانتخابات وحتى في أثنائها، وبذلوا جهودا نضالية مضنية من أجل التعبئة الانتخابية، ولاقوا العنت والعسر وضيق ذات اليد حتى في تأمين التنقل والاتصال، وعانوا من التشويه في مصداقيتهم وأخلاقهم بل النهش في أعراضهم إلى حدّ أنّ بعضهم تعرضوا للتهديد في أشخاصهم بل حتى في أبنائهم وأهلهم؛ حصل ذلك خاصة من خصومهم النهضاويين لا سيما الأنصار البسطاء المغويّين. لقد لعب الخصم النهضاوي الورقة الانتخابية بكل شراسة وحقد، واستخدم كل الوسائل غير المشروعة بل الدنيئة لمواجهة الذين ينعتونهم بأقبح النعوت: "الكفار " و"الفجار" و "الماسونيين"...إلخ؛ وقائمة النعوت ليس لها آخر!
إنّ جهود مناضلي اليسار ذهبت أدراج الرياح؛ لأنّ قياداتهم - وقد خُدع أغلبهم في الوجه "التمديني" الذي أبدته النهضة- لم يحسبوا حساب الخصوم بدقة، ولم يضعوا تكتيكات مناسبة وناجعة لتحييد هجومهم المضاد ومنافستهم غير الشريفة، ولم يقدّر وا الرأسمال الرمزي الثورجي والغيبي الذي يستحوذ عليه هذا الخصم وحلفاؤه ومشتقاته، ففشل أولئك القيادات في تحديد معالم طريق الفوز الحقيقية.
كما لاحظنا أنّ قيادات اليسار خُدعوا في نظام انتخابي روّج له الخبراء على أنّه مثالي لأنّه سيعكس الطيف السياسي كاملا دون نقصان. وأنّ التفاوت بين المترشّحين من الفرقاء السياسيّين سواء أكانوا أحزابا أم قائمات مستقلّة، سوف يكون محدودا. والحقّ أنّ هذا الخطأ كان شاملا للجميع؛ الخبراء والسياسيّين والمثقّفين، واشترك فيه اليسار والوسط بمختلف تلويناتهما وصادف هوى في نفوس الزعماء النرجسيّين، ولاقى صدى لدى الطامحين إلى السلطة.... ولكن لم تستفد منه إلاّ النهضة وبعض الأطراف الأخرى مثل العريضة الشعبيّة و المؤتمر وهما حزبان آخران اتضح أنهّما من "أحزاب ربي" كل على طريقته، وكذلك التكتل الذي سكت عن حزب ربي النهضاوي ولم ينقده لظروف خاصة يطول شرحها ظهر أغلبها في التحالف الترويكي الحالي.
كما خدع قياديو اليسار في حقيقة عدد قواعدهم الحركية والحزبية فضلا عن أنصارهم وقواعدهم الانتخابية. كانت حساباتهم حسابات الجامعة التونسية عندما كان اليسار "أغلبيا" إلى حد ما في السبعينيّات والبداية المبكّرة للثمانينيّات.
1.2. شكوك الناخبين وتساؤلاتهم:
كما لاقوا صدّا أعتبره طبيعيا حتى من المعطّلين والعمال والمزارعين الفقراء والمعدمين، والموظفين الذين لئن لم تنطل عليهم حيل النهضاويين والثورجيين والانتهازيين، فإنّهم من الحكمة والتبصر وبُعد النظر ممّا دعاهم لطرح الأسئلة الآتية على اليساريّين:
• لماذا أنتم كثيرون - أحزاب وجماعات وأفراد- ولكنّكم تقولون نفس الكلام تقريبا؟ أنتم إذن متخاصمون؛ فلو كان فيكم خيرٌ لتصالحتم من أجل تونس.
• لماذا أنتم مشتّتون؟ فلو كنتم تسعون لوحدة الشعب وخيره لما تشتّتم.
• أنتم تقولون أنّكم ضد أمريكا وفرنسا وبريطانيا.... وأنتم لستم متحالفين مع روسيا والصين .... ويبدو أنّه لا علاقة لكم حتى بجيرانكم من العرب والأفارقة ... وأنتم لا تذكرون دولة واحدة يمكن أن تساندكم في مشاريعكم وتدعمكم في اختياراتكم، ولا حتى دول أمريكا اللاتينية التي تشبهكم! لماذا أنتم منعزلون؟
• وإذا نلتم الحكم هل ستقدرون على مجابهة الثورة المضادّة في الداخل؟
• وكيف ستواجهون ما تسمونه قوى الهيمنة الخارجيّة التي ساندت الحكّام السابقين بعدائيّة واضحة وهي الآن تساند منافسيكم النهضاويين الذين كانوا سابقا "ضدّها" وباتوا اليوم حلفاءها؟
• أنتم فقراء معدمون مثلنا وأتعس حالا منّا ولكنّكم في الوقت ذاته لا تبيّنون لنا من أين ستأتون بالمال لخلق فرص العمل، فهل ستطلبون منّا تضحيات أخرى لسنوات عجاف قادمة؟ أم أنّكم فعلا تعدوننا باشتراكيّة الفقر كما يروّج لذلك خصومكم؟
لقد سارت قيادات اليسار في أغلب الأحيان في طريق مبهمة وبفكر غامض؛ يشرحون للناس رؤية مازالت ضبابيّة حول المجلس التأسيسي ويجتهدون في "إقناعهم" أن الانتخابات النيابية ذات المشاريع والبرامج المكتملة مازالت غير مطروحة والحال أنّ الناس فهموا الانتخابات – من النهضاويين ومن دار في فلكهم- على أنّها تأسيسية وتشريعية، وكالوا لهم الوعود وبدوا لهم أثرياء يفيض عليهم المال فيضا، وواثقين من برامجهم وحلفائهم في الداخل والخارج.
طريق اليسار كانت خائبة، لم تصل إلى الهدف؛ الشعب الذي طالما تغنّوا به لم يعبأ بهم! فمن صوّت لهم هم أنصارهم، وأغلب الظنّ أنّ "قواعدهم" التي كانوا يحسبونها قريبة أعرضت عنهم ربّما في آخر لحظة .
لقد فشل اليسار في الاقتراب من الشعب وفي بناء التحالفات الداخليّة والخارجيّة وفي تجنيد الوسائل الإعلاميّة والاتصاليّة المناسبة والكافية "لتحقيق "خسارة معقولة على الأقلّ!!!
1.2. التقدّميّون وإشكاليّات قيام الجبهة المدنيّة:
بعد الانتخابات السابقة والهزيمة المدويّة القاصمة، انتظر أغلبيّة اليساريّين على الجمر ولادة تحالف يساري أو جبهة شعبية... جاء المسار –وسط اليسار - هزيلا وولدت الجبهة الشعبية ولادة محاذية له بعيدة عنه عسيرة متأخّرة، ولا أدري إلى أيّ حدّ جاءت ولادة طبيعية... أم هل كانت قيصريّة؟
غير أنّ كثيرين من الرّفاق – قبل المسار والجبهة وفي أثنائها وحتى بعدها – توزّعوا إلى أصناف متداخلة وغير ثابتة: منهم اللائذون بالصمت، ومنهم اليائسون ومنهم من فضّلوا الاستقالة، ومنهم المتردّدون ومنهم المسايرون على نهج المثل الشعبي "هاني معاكم لا تشكوا فيّ" ومنهم أيضا الذين التحقوا بأحزاب أخرى .
ولقد بات معلوما أنّ كثيرا من اليساريين التحقوا بـ "نداء تونس"؛ للأسباب المذكورة سابقا (تهجمات النهضاويين الميكيافيلية - التأثّر بحملات التشويه بالكفر والإلحاد والنهش في الأعراض - ضيق ذات اليد في الأحزاب اليسارية - المستوى ماتحت –الصفري لتمويلاتها - الدونكيشوتية والأحلام والرومانسيات والدوغمائية– الفشل في إدارة الانتخابات حتى أنّ حزب المبادرة الدستوري الذي يرأسه وزير في آخر حكومة للرئيس السابق حصل على خمسة مقاعد وهو ما يساوي تقريبا مجموع ثلاثة أحزاب من اليسار الجذري وحزب قديم –جديد من وسط اليسار هو القطب...ولو أجرينا مقارنات لوجدنا طرائف مأسويّة)، ولكنّهم أيضا فضّلوا "نداء تونس" باعتباره سيكون حزبا كبيرا عريضا ذا شخصيات "كاريزيمية"" وأخرى وازنة" ،،،
بالإضافة إلى ذلك فقد آمن هؤلاء الرفاق أيضا بضرورة وجود "مبادرة متخفّفة من الإيديولوجيا"، وهذا من قبيل الوهم السياسي؛ فـ "نداء تونس" متخم بالايديولوجيات إلى حدّ أنّه لم يستطع صياغة رؤية حقيقيّة جامعة؛ لأنّه من العسير القفز فوق التمايزات والاختلافات بين الدساترة واليساريين والقوميين والليبراليين الذين انضمّوا إليهم، فتخطّي التناقضات خاصيّة بهلوانيّة للأحزاب الدينيّة أما نداء تونس فليس حركة دينيّة، هذا من جهة، ولأنّ الخلفيّة الدستوريّة البورقيبيّة هي الغالبة في هذه الحركة من جهة أخرى رغم محاولة بعض اليساريين فيها التقليل من سطوة البورقيبية كسياسات وحضورها كرمزيّة يروّجون لها على أنّها إحياء للحركة الوطنية بأهداف حضارية وتقدمية! وهذا أيضا فيه مغالطة.
ولهذا يسأل اليسار الآخر (في الجبهة الشعبية خاصة ومن هم خارج النداء عامة) يساريي هذه "المبادرة لقائد السبسي" أو "حركة نداء تونس" ما يلي:
• هل وقفتم أمام مسؤوليّاتكم التاريخيّة في الالتحاق بالدساترة والتجمعيّين؟ أيمكن أن يكون ذلك "مقبولا" قبل المحاسبة والمصالحة والعدالة الانتقاليّة؟ أليس واضحا لدى الشعب التونسي أنّ هذا الحزب يعتبر بشكل من الأشكال امتدادا للدساترة وحتى التجمعيّين أو قسما كبيرا منهم وهذا لا يمكن نكرانه حتى وإن تذرّعتم بضعف اليسار وفقره من جهة، وبالبراغماتيّة وما تمليه الظرفيّة من جهة أخرى؟
• حتى إذا كانت معظم الوجوه في قيادة الصفّ الأوّل من اليسار أو التقدميّين وحتى الدستوريّين المعتبرين عندكم "نظافا" هل قدّرتم إمكانيّة عودة الدساترة والتجمعيّين في الصفّ الثاني ومن دونهم إلى سالف ممارساتهم الإقصائيّة والانتهازيّة والتملّقيّة والتزلّفيّة؛ أي إعادة إنتاج السياسات والاختيارات والتوجهات والممارسات البائدة والأدلّة على ذلك موجودة، وبكثرة !؟
• هل ستضمنون تأثيركم وفاعليّتكم في هذا الحزب بحيث تقفون ضدّ تأثير الفساد فيه؟ وكيف؟!
• ماذا فعل الدساترة الذين يعتبرون أنفسهم "تصحيحيّين" و "صحاحا" و"نظافا" تجاه انحراف البورقيبية؟ لقد تمّ طرد بعضهم في إطار صراع الأجنحة الدستوريّة والولاءات لوسيلة بورقيبة ومناوئيها، فادّعوا أنّهم انسحبوا، وتمّت إعادتهم فعادوا، ثم طردوا من جديد ... ماذا كتبوا؟ وماذا دوّنوا؟ كيف حلّلوا؟ سراب في سراب...
• ثمّ عاد بعضهم مع العهد النوفمبري ...
• ثمّ إنّ أغلبهم لم يظهروا حتى الشهر الثالث من الثورة....
• كانت فترة حكم الباجي قائد السبسي متميّزة بشعار جرى على لسانه مرّات عديدة: " لا أقتسم السلطة مع أحد"، وهو شعار بورقيبي بامتياز لم يمارسه بورقيبة فقط بل هو من صميم "الايديولوجية" الدستورية.
• كما تميّزت الفترة الأخيرة من حكومة الباجي قائد السبسي بتجاذبات مع اليسار الجذري وأقصى اليسار وفي الوقت نفسه بالاتفاق مع النهضة، إذا استثنينا حادثة فيلم برسيبوليس، وتشنّجات النهضة والندوة الصحفيّة التي هدّد فيها الغنوشي باللجوء إلى "حرّاس الثورة". وكلّنا يتذكّر خطاب الباجي قائد السبسي التطميني لهم لاسيما بعد عودته من أمريكا.
• بعد الانتخابات بقليل تأكّدت الإشاعات الرائجة حول التقارب المشبوه بين الباجي والنهضة من أجل أن تمنحه الأغلبيّة كرسي الرئاسة (فيديو حديث الباجي قايد السبسي مع حمادي الجبالي يؤكّد هذه الشبهات) ... فلعبت به النهضة في إطار تحالفات الترويكا ...
• وأخيرا بعد ظهور مبادرته، وبعد تشكيل نداء تونس وفي أوّل اجتماع لهم استعادوا البورقيبيّة رمزا (اجتماعهم الأوّل كان في إطار جمعيّة الفكر البورقيبي) وفي موطنه الرمز (المنستير) وحتى البداية كانت بترديد أغنية الدستوريّين (يا سيد الأسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي) وقاعدة الحضور كانت النسبة الغالبة هم من الدساترة ...
• هؤلاء الدساترة لم يعقدوا يوما مؤتمرا للمدارسة والمراجعة ولتقويم تجربتهم في الحكم . لم يدعوا يوما بعضهم بعضا للتصحيح ولم يطرحوا إمكانيّة النقد الذاتي ... لا يبدو أنّهم يفكّرون يوما بمبادرة ذاتيّة ولا نراهم بوازع من ضمير يرغبون في الاعتذار للشعب عن فظاعات شاركوا فيها ولو بالصمت بل نراهم يبرّرون كلّ ما كان بصلف ويتبرّؤون من الأخطاء بكلّ مخاتلة... فكيف يريدون من هذا الشعب المكلوم أن يصدّقهم؟ لقد تركوا الباب مفتوحا على مصراعيه لأدعياء الثورة؛ فبعد أن استزلموا التجمعيّين واستفادوا منهم هاهم يشرعون في التخطيط لما يسمّونه قانون "تحصين" الثورة الذي يمكن تمريره في المجلس التأسيسي لحماية أنفسهم لا لحماية الشعب في الانتخابات القادمة، ولا شكّ أنّهم وجدوا أو سيجدون صيغة ما للتفاهمات مع "النهضتجمعيي؛ التائبين نهضاويّا "الذين استزلموهم من أعلى هرم السلطة والحكومة إلى أخمص القواعد والأنصار.

2 .2 . مطبّات المرحلة القادمة ومفارقاتها:
بناء على ما تقدّم، هل يجوز لليسار الذي كان أكبر ضحيّة للاستبداد في العهد البورقيبي خاصة أن يكون بلا ذاكرة وبلا حقوق؟ وهل يجوز بأيّة حال أن يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار أو حتى من النار بالرمضاء ؟ لنلاحظ النقاط الآتية:
• إنّ لعبة المتاهة والغزل والهجر والوصل بين الدستوريين و الإخوان النهضاويين جرّبت في تونس وكانت وبالا على اليسار غالبا؛ فالدستوريّون قوّة متردّدة ومتوتّرة بين الوسطيّة والمحافظة؛ وقد كانت مواقفهم من الإسلامويّين متباينة على الدوام، ولا أحد منهم يستطيع أن ينكر أنّ الدستوريّين هم من أعطى أسباب الوجود موضوعيّا للاتجاه الإسلامي بسياساتهم وتوجّهاتهم، وهذا حديث طويل يحتاج إلى مقال خاص. كما مدّتهم أجنحة من الدستوريين المتنفذين سياسيا وماديا ببعض التسهيلات في نهاية الستينيّات وبداية السبعينيّات، ولنذكر على سبيل المثال لا الحصر أنّ مجلّة "المعرفة" التابعة لهم قلبا وقالبا كانت تطبع في مطابع الحزب الدستوري. وقد كان الاتجاه الإسلامي في صفّ الدساترة موضوعيا وضدّ الشغالين والنقابيّين واليسار في الأوقات العصيبة، فالإضراب العام الذي قاده الاتحاد يوم الخميس الأسود 26 جانفي 1978 وصفه الغنوشي على صفحات مجلّته "المعرفة" التي يطبعها له الحزب الدستوري بالشغب والفوضىى. ويتذكّر اليساريّون والتقدّميون عموما أيضا فترة محمد مزالي التي اتّسمت بكثير من التوافق والتقارب مع الاتجاه الإسلامي، وكذلك كانت بداية عهد بن علي إلى حين تنظيم الانتخابات في 1998. ثم انقلابه عليهم ولهذا الأمر تفاصيل كثيرة وتعقيدات متعدّدة ليس هذا مجال بحثها.

• تاريخيا، وقع بعض اليساريين في دعم صامت ومنحاز للحكم البطريركي البورقيبي ثم البوليسي في عهد بن علي، ولم يستفد شيئا، ولم يحقّق بموقفه ذاك إلا الأوهام، وكنت قد وضّحت ذلك في محور سابق حين تحدّثت عن المنسلخين عمليّا من اليسار.
• قُبيل يوم 23 أكتوبر 2012 الذي اعتبره كثير من فقهاء القانون الدستوري موعد انتهاء الشرعيّة الدستورية للحكم الحالي، صرّح الباجي رئيس "نداء تونس" معترفا بأنّ أكبر خطأ وقع فيه أنّه أوصل النهضة للحكم (وهذا في حدّ ذاته فيه نظر) وصرّح في الآن نفسه أنّه يعتذر للشعب التونسي على ذلك. ولكنّه بعد ذلك بفترة غير طويلة – أي الأسبوعين المواليين تقريبا - وفي أثناء زيارته لفرنسا صرّح في حوار مع قناة فرانس 24 للمذيع التونسي توفيق مجيّد أنّه مستعدّ للحكم مع النهضة !
• على اليسار أن يفرّق بين المنافسين والحلفاء، وعلى "نداء تونس" أن يختاروا مواقعهم أيضا وليس على اليسار أن يختارها لهم. فإذا اختار وا التحالف؛ فللحلف شروط واستتباعات. وفي انتظار قيام العدالة الانتقاليّة والمحاسبة والمصالحة، على القياديين الدستوريين حدّ أدنى من الالتزامات تجاه الشعب والثورة. إنّ الدستوريين الذين كانوا قد مارسوا العمل السياسي في الحزب الاشتراكي الدستوري والذين تقلّدوا الوظائف الرسميّة زمن بورقيبة وبن علي، والذين مازالوا متواجدين حاليّا، ويريدون الاستمرار في مجال العمل السياسي، عليهم أن يجدوا صيغة مناسبة للتعبير عن الاعتذار السياسي للشعب التونسي عن مسؤوليّتهم التاريخيّة في إقامة الحكم الفردي الاستبدادي وغياب الديمقراطية. إنّ صمتهم وتجاهلهم للحقائق التاريخية الموضوعية واستتباعاتها هو من قبل سلوك النعامة، ولابدّ أن تقع تحت نيران الصياد.

هذه الأسئلة الكثيرة والمسائل العويصة المطروحة لا أرى اليساريين في "نداء تونس" وفي الأحزاب التي تجمّعت معها مؤخّرا كالمسار والاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي - في ما يسمّى تحالف نداء تونس - قادرين على تقديم جواب مقنع حيالها لا لأنفسهم ولا لغيرهم، فهم يهربون إلى الأمام لأنّهم محبطون تجاه وضعيّة سطوة النهضاويّين وحالمون بأخرى؛ حالمون بتغيّر طبيعة الدساترة وإمكانيّة انتمائهم إلى الفصيل الديمقراطي! أو على الأقلّ يتحسّسون وجود دساترة تقدّميّين رفضوا التوبة النهضاوية ودساترة متنهّضين رجعيّين قبلوا الانتماء إليها. وإنّ هذا الغموض الشديد في موقف الدستوريين وفي موقف الوسطيّين والليبراليّين ووسط اليسار منهم هو ما يجعل للجبهة الشعبية العذر في توقّفها عند حدّ الالتقاء الموضوعي في المهام المرحليّة مع نداء تونس وعدم ميلها أو عدم اتّجاهها إلى التحالف معهم، ولعلّ أقصى ما يمكن توقّعه لاحقا هو تنسيق مرحليّ يكون المعوّل فيه على اليساريّين والتقدّميين النزهاء الموجودين في "نداء تونس" لمدّ الجسور وخلق الروابط الكفيلة بتغيير سياسيّ حقيقيّ في اتجاه البدائل المدنيّة والاختيارات الاقتصادية المتوازنة ذات الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي. هذه هي الأمور الكفيلة بتجاوز العوائق وخلق الجبهة التقدميّة الديمقراطية الواسعة، وبدونها تظلّ السياسة المدنيّة التونسيّة المرتقبة عرجاء.


جبران أديب
الحوار المتمدن-العدد: 3953 - 2012 / 12 / 26 - 11:52
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفاعلات انتخابات 23 أكتوبر 2011 ومطبّات الآتي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قفصة :: المنتديات العامة :: المنتدى العام-
انتقل الى: